إلى كتبيّ وقلمي ولوحاتي وكنفي الضائع..
إنها لحظة تُذكّرني بكلمات جلال الدين الرومي:
“من لم يتيه،لن يعرف طريق العودة"
في عمق الروح المُعتمة،حيث تتنفس الوحدة وتموج الذكريات،هناك كتبي كالبساتين المنسيّة،تنمو فيها الكلمات كما ينمو العشب الأخضر والزهور البرية في ربيعٍ بعيد؛ربيع لا يأتي إلا لمن يعرف كيف يُنصت.
وهذا ما يتوارى في صفحات كتبي،حيث تُحاك ضياعاتي بخيوط نور باهتة،وصمتٌ ينطق بأكثر من ألف كلمة وقلمي،بحبره الأسود،رفيقي الوفي..يُمسكني كلما أفلتّ من نفسي،يعانق آمال نزار قباني وأحزانه،يكتب عواصفه الداخلية،وأحلامًا كانت يومًا مجرد أحرف خجلى في زوايا القلب.
كما قال فرانز كافكا:
“الكتابة هي الفأس التي نكسر بها البحر المتجمد داخلنا"
وما يسيل من قلمي هو دموع قديمة وأمل لا يموت،هو تربة تُنبت الحياة وسط صحارى الوحدة،أما لوحاتي،فهي أجنحةٌ تنمو في زوايا كنفي،ترفعني فوق عالمٍ لا يرحم،ألوّن بها ألمي وفرحي بألوان دالي،التي تنطق بالحلم والغرابة في كل خطّ،في كل بقعة ظل أجد سلامًا وهدوءًا لا يُرى،بل يُشعر به.
أكاد أسمع مارسيل بروست يقول:
“حين يصبح الواقع لا يُطاق،لا يبقى للإنسان سوى الفن ليقنع نفسه بأنه لا يزال حيًّا"
لكن هناك،في كنفٍ ضائع..
مكان لا يصل إليه سواي،حيث تستقر الأسئلة التي لم تجد جوابًا،والرغبات التي لم تُترجم يومًا.
أسأل نفسي:
أضاعت مني أجزاء؟ أم هي في رحلة بحث عن ذاتٍ أعمق؟
هل الفن أصدق من الواقع لأنه يحكي الحقيقة كما نشعرها،لا كما نراها؟
وحين أكتب،هل أخلق عالمًا؟ أم أكتشف عالمي وحدي؟
هل الكنف الضائع هو ما يجعلنا نشعر أننا بشرًا بحق؟
كيف نُميّز بين أن نبحث عن أنفسنا في الخارج،وبين أن نعود إلى دواخلنا،وإلى لوحاتنا،وكتاباتنا،وكنفنا الغائب؟
هل يمكن أن يكون الضياع والألم بداية لفصل جديد من التعايش مع النفس؟
وأستذكر قول ليوناردو دافنشي:
“كل فن عظيم،وُلد من ألمٍ عظيم"
في حضن هذا الألم،تولد لوحاتي وكلماتي،ويولد الهدوء الذي يسبق الفجر؛ذلك النور الرماديّ الذي لا يراه سوى من أغمض عينيه.
في هذا الصمت الحيّ،حيث يلتقي الحبر بالفرشاة اليابسة،والظل بالنور،أجد نفسي أحتضن ضياعي،وأستقبل بفرح الأجزاء التي تاهت ثم عادت،وأردّد في داخلي،كلما رأيت ظلي يعبر الطرقات..
السواد الذي أعرفه عني،هو ظلي
أما النور،فيسكن في جوانحي كملاكٍ هارب،وفي مرآتي يعكس الوهج،وفي أعين من يُقدّر الفن الذي أكتبه،وأتنفّسه،وأرسمه.
تتردّد بداخلي كلمات كارل يونغ:
“الفن مرآة نُطلّ بها على أرواحنا"
وهكذا،بين كتبي وقلمي ولوحاتي وكنفي الضائع،أعيش وأتمرجح كغيمةٍ بين الحقيقة والاحتمال،أرسم خارطة ذاتي،وأتلون بها،أعيد تشكيل نفسي من فتات الذكرى والأسئلة المبهمة،وأعبر طريقًا لا يراني فيه أحد سوى الفن،ويعبر منّي الضياع المنسيّ إلى السلام الداخلي،والألم الجريح إلى الأمل المتجدد،والصمت المرير إلى التعبير الذي لا يتوقّف.
وهكذا أنتهي كما بدأت..في حضرة الفن
كما تقول غادة السمان:
“أرسم بالكلمات،وأبكي بالألوان،كلما ضاق صدري من هذا العالم الضيّق"
لا أكتب لأُدهش،بل كي لا أنطفئ،لئلا تموت الكلمات في حنجرتي،لأُنقذ ما تبقّى من داخلي
لا أرسم لأُبهر،بل كي لا أتلاشى،لأترك أثرًا يشبهني،لأستعيد جزءًا مني كدتُ أنساه.
أفعل كل هذا لأنني لا أعرف طريقًا آخر للنجاة..
لأن الفن هو شفائي،وبيتي،ومرآتي
وكل ضياعٍ مررتُ به،قادني إلى هذا المكان.
إليك أكتب،أيها العابر..
لمن يُقدّر الفن،لا كزينة،بل كضرورة،كحقيقة وجودية
لمن لا يقرأ الأحرف بعينيه،بل يتحسّسها بقلبه
ومن فهم هذا،فقد لمس شيئًا حقيقيًا مني،على الأقل.
هذا المقال لكل من يُقدّر الفن ويحيا به..
الكاتبة الفذّة في كنفها الضائع والمحبّب وحده:جويدة


يالله كلماتك لامستني بشدة سعيدة لأني قرأت هذا النص وفعلاً الفن هو طريق نكتشف فيه أنفسنا ،كثير يقولون أن الشخص يعرف نفسه من تعامله مع الأشخاص الي حوله لكن بالنسبة لي الفن كان أفضل الطرق التي تعرفت فيها على نفسي ، شكراً على سردك ووصفك أقدر أشوف وأشعر بوضوح عمق حبك للفن وامتلائك به من طريقة تعبيرك 🤍