هل نحن أبناء ذاكرتنا أم أسرى لها؟
حين افتتح ألبير كامو رواية ”الغريب”بجملته الشهيرة «اليوم ماتت أمي،أو ربما أمس،لست أدري»،لم يكن يروي حادثةً عابرة،ولا كان يصف اضطرابًا في التوقيت أو فتورًا في العاطفة،بل كان يضع إصبعه على ذلك الموضع الخفيّ من النفس الإنسانية حيث تتداخل الذاكرة بالهوية،ويغدو السؤال اكثر خطورة عن الماضي سؤالًا عن الإنسان نفسه ماذا يبقى من الإنسان حين تتصدّع علاقته بماضيه؟
فما الإنسان في نهاية المطاف،إلا كائنٌ يصنع من ذكرياته وطنًا،ثم يقضي عمره متنقّلًا بين أرجائه كنتُ أظنّ كما يظنّ كثيرون،أن الذاكرة صندوقٌ نودع فيه ما انقضى من أيامنا ثم نغلقه ونمضي غير أنّ الأيام علّمتني أن الأمر ليس بهذه البساطة؛فالذاكرة ليست صندوقًا نحمله معنا،بل هي اليد الخفية التي تحملنا. ولسنا نحن من نعود إلى الماضي كلما شئنا،بل إن الماضي كثيرًا ما يعود إلينا متى شاء،متسللًا في هيئة فكرة،أو خوف،أو حنين،أو حكمٍ نظنه وليد اللحظة وهو في الحقيقة صدى عمرٍ مضى.
ولعلّ أعجب ما في الإنسان أنه لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تتركها ذكرياته في قلبه فقد يقف اثنان أمام المشهد ذاته؛فيرى أحدهما فاتحة وعدًا جديدًا،ويراه الآخر نذيرًا قديمًا لا لأن العالم قد تبدّل بين نظرتيهما،بل لأن لكلّ منهما ماضيًا مختلفًا يجلس خلف عينيه،يلوّن الأشياء بلونه،ويمنحها من معانيه ما شاء وهكذا نمضي في الحياة ونحن نظن أننا نتعامل مع الواقع مباشرة،بينما نحن في الحقيقة لا نلامس منه إلا ما تسمح به طبقات الذكريات المتراكمة فوق أرواحنا غير أن أخطر ما في الذاكرة ليس أنها تحفظ ما كان،بل أنها تحفظ ما ظننّاه عمّا كان،فهي لا تختزن الأحداث كما وقعت،وإنما تختزن تفسيرنا لها،وتأويلنا لمعانيها،والأثر الذي تركته فينا ثم تمضي الأعوام،فتتوارى التفاصيل شيئًا فشيئًا،وتبقى التفسيرات وحدها وما يلبث الإنسان أن ينسى أنها كانت رأيًا من آرائه القديمة،فيجعل منها حقيقةً لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها ومن هنا يبدأ الأسر،ليس حين نتذكر الماضي،بل حين نمنحه حقّ تفسير الحاضر،فتتوارى التفاصيل شيئًا فشيئًا،وتبقى التفسيرات وحدها وما يلبث الإنسان أن ينسى أنها كانت رأيًا من آرائه القديمة،فيجعل منها حقيقةً لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفهاومن هنا يبدأ الأسر،ليس حين نتذكر الماضي،بل حين نمنحه حقّ تفسير الحاضر.
كم من إنسانٍ عاش عمره سجين كلمةٍ سمعها في طفولته؟ وكم من روحٍ أغلقت أبوابها لأن خيبةً واحدة أقنعتها أن الطرق كلها تؤدي إلى الخيبة؟ وكم من حلمٍ مات في مهده لا لأن الواقع قتله،بل لأن ذكرى بعيدة سبق أن أصدرت فيه حكمها الأخير؟
إن بعض الذكريات لا تسكن أعماقنا فحسب،بل تسكن قراراتنا،واختياراتنا،ومخاوفنا،وحتى صورنا عن أنفسنا إنها تتحوّل مع الزمن من أحداثٍ مضت إلى عدساتٍ ننظر من خلالها إلى كل ما يأتي بعد ذلك،ولهذا فإن الإنسان لا يعيش داخل العالم وحده،بل يعيش داخل الرواية التي كتبها عن العالم.
وربما كانت مأساتنا الكبرى أننا نتمسك بتلك الرواية أكثر مما نتمسك بالحياة نفسها؛فإذا جاءت الحقيقة مخالفةً لها،اتهمنا الحقيقة ولم نتهم الرواية ومن هنا ينبثق السؤال الذي لا يكفّ عن مطاردة النفس البشرية:هل نحن أبناء ذاكرتنا أم أسرى لها؟ولعلّ الإجابة ليست في أحد الطرفين
فنحن أبناء ذاكرتنا لأنها منحت أيامنا معناها،وحفظت وجوه الذين عبروا بنا،وصاغت من أفراحنا وأحزاننا الملامح التي نعرف بها أنفسنا ولولاها لما كان للحياة تاريخ،ولا للروح جذور،لكننا نصبح أسرى لها حين نسمح لها أن تتحوّل من شاهدٍ على الماضي إلى حاكمٍ على المستقبل فالذاكرة خادمةٌ أمينة ما دامت تروي لنا ما كان،لكنها تصبح سيّدًا قاسيًا حين تملي علينا ما يجب أن يكون.
ولعلّ الحكمة ليست في أن نهزم ذاكرتنا أو نهرب منها فليس في وسع النهر أن يفرّ من منبعه وإنما الحكمة أن نصغي إليها دون أن نستسلم لها،وأن نستضيء بها دون أن نعبر الحياة بعيونها وحدهافالإنسان لا ينضج يوم يتذكّر كل شيء،بل عندما يدرك أن ذكرياته ليست الحقيقة كلها،وأن الماضي مهما عظم سلطانه ليس سوى فصلٍ من كتابٍ لم تُكتب صفحاته الأخيرة بعد،وما أجمل الحياة حين تمنحنا الشجاعة لنقلب الصفحة،لا ازدراءً لما مضى،إنما إيمانًا بأن الحكاية لم تنتهي بعد،وأن القلب الذي حمل أعباء الأمس قادرٌ أن يستقبل غدًا جديدًا دون أن يطالبه بأن يشبه ما كان فالماضي ظلّنا،لا سجننا؛وذكرياتنا جذورنا لا قيودنا وما خُلق الإنسان ليقيم عند أطلال أيامه بل ليعبرها،كما يعبر المسافر جسرًا يعرف فضله،لكنه لا يتخذ منه وطنًا
ألسنا،في جانبٍ من أمرنا،مجموع ما نتذكّره؟
لكن ماذا لو كانت بعض ذكرياتنا وهمًا جميلاً صدّقناه طويلًا؟وماذا لو اكتشف الإنسان في لحظةٍ ما أن جزءًا من شخصيته لم يصنعه الواقع،بل صنعته رواية قديمة ظلّ يردّدها حتى آمن بها

