لماذا لا نُسلّم أنفسنا إلا لأنفسنا؟
يقول سورين كيركغارد فيلسوف دنماركي:
“الذات لا تُسلم لأحد لأنها الوحيدة التي لن تخونك أما الآخرون فهم على الدوام مؤقتون"
في صمت الليل وعتمة الروح الغائبة يُولد سؤالٌ لا يبرح الذهن أنما يلهب القلب ويُربك الفكر لماذا لا يُسلّم الإنسان نفسه إلا لنفسه؟
قد يكون الجواب محصورًا في عتمة الخوف أو في عمق خيبات الصدق التي تلقي ظلالها الثقيلة على أركان النفس،إن النفس التي لم تعش في كنف المحبة ولم تجد في الآخر ملاذًا تحتمي به،تنسحب إلى نفسها تحتمي بها وتؤسس حصنًا من اليقين الذاتي،لعلّه يقيها من مزيد من الجراح هذه الرحلة الداخلية ما هي إلا بحثٌ عن حقيقة الحبّ الأوحد الذي يستحقه الإنسان:حبّ ذاته حيث تبدأ كل معاني الحياة والمعاناة.
في قلب المدينة الصاخبة كان هناك رجل لا يثق إلا بنفسه،لا لأنه يهوى الوحدة،بل لأنه تعلّم أن الخطر صديق قديم له ولأنّه كان معتادًا على الخطر،لم يُسلِّم نفسَه إلا لنفسه،تربّى على وحي الخيبة تنقل بين طرقات الألم والخذلان،فبنى حول قلبه سورًا كبيرًا لا يسمح لأي صدق أن يتسلل إليه كانت حياته مقامة على هشاشة الثقة الضائعة ليرجع في نهاية كل يوم إلى وحدته التي لم يختارها بمحض إرادته،بل فرضتها عليه الخيبات المتكررة،لأنه ببساطة لم يجد الصدق في شيء .
وكما قال أنيس منصور:“أكثر الناس يهربون من الصدق لأنه مرآة،والمرآة لا تُجامل أحدًا"
تلك الفكرة التي في جوهرها سؤال وجيه
هل يمكن للحقيقة أن تقيم في قلب هذا العالم الطاعن بالخيانات؟
أم أن الإنسان كائنُ مغترب في وطنه،لا يأنس إلا لوحدته المرّة؟
وذات مساء حينما كان يجلس على رصيف ذاك المقهى القديم في فناء روحه جاءت هي امرأه عذبّة ظلفة،تفيض حبًّا لنفسها كما يفيض قطر الندى على أوراق الزهر والشجر الأخضر،لا تخشى أن تعانق ذاتها ترمقه بعينين لا تخفيان الرحمة عينان تدركان أسرار القلب ومكنوناتها التي لا يجرؤ هو على الاعتراف.
قالت له بصوتٍ يملؤه دفء المعرفة:
لماذا تنكر الحب،أنت الذي تحيا بين أطياف الخوف؟
ألا تعلم أن حبّ الذات ليس غاية،بل بداية لكل شيء ويمكنك أن تحتمي به؟
ألا تخاف أن تكون غريبًا في عالم يحتاج إلى صدقك؟
هل فكرت أن تحب نفسك ليس كخيار بل كضرورة ،
تلك التي تسمح لك أن تحبّ وتُحب؟
أجابها مترددًا:
كيف أحب نفسي وقد عشقتها مراتٍ جُرح فيها صدقها وطالما هربت من ظلالها؟كيف أُسلم نفسي لقلبٍ كان يعرف الألم،ولم يذق طعم الصفاء إلا نادرًا؟
قالت له بنبرة لن ينسى صداها في ذهنه تنساب من اعماق حنانها:
الحبّ معركة داخلية ومجازفة كبرى أول جبهاتها هي السلام مع النفس،وهي المعركة التي لا تُهدى إلا لمن يستحق،لذلك لا تهرب ولا تستبدل السجون التي صنعتها بقفصٍ من أوهام بل تعلّم أن تكون رفيق نفسك حتى في عمق الوحدة .
وكما يقال على لسان محمود درويش:
“كن صديق نفسك لا تنتظر من الآخرين أن يوقظوا فيك الحياة"
هل تعتقد أن الذات التي تهرب منها ترفضك؟
أم أنك ترفضها أنت،فتبقى غريبًا في بيتك؟
حبّك لذاتك أنما أنها أمانة من الربّ لك اولًا ليس خيانة للضعف،بل الاعتراف به هو أن ترحب بكل ما أنت عليه بجراحك،بعثراتك،بندوبك بأحلامك المهشمة،حينها فقط يُمكنك أن تحب الآخر بلا أقنعة،أن تغفر نفسك،فتغدو رحيمًا بها،حينذاك،تعرف كيف تحب غيرك بكل صدق.
يقول شمس التبريزي:
“لا تسافر بحثًا عن الحب ابحث في داخلك أولًا فإن لم تجده هناك فلن تجده في أي مكان آخر"
نظر إليها كمن يواجه سؤالًا أزليًا في رأسه:
هل يستحق المرء أن يواجه ذاته أم تبقى الهروب من الحقيقة أكثر راحة واستقرارًا؟
كيف نثق بآخرين إن لم نثق بأنفسنا اولًا؟
وكيف نحبّ إن لم نحبّ أولًا هذه النفس التي نسكنها؟
قالت له:
في محبة ذاتك شفاء لروحك وفي الصفح بداية سلام،لا تتوقع الكمال بل اتقبله بحذافيره،فالمحبة الحقيقية تُولد حين يُحتضن العيب قبل خارجك،فجأة أدرك أنه عالق بين الخوف والرغبة في آن واحد!
بين الوحدة التي ألفها وبين الدفء الذي تهمس به كلماتها الصادقة..
“ولأنّه كان معتادًا على الخطر،لم يُسلم نفسه إلا لنفسه،
ولأنّه لم يجد الصدق في شيء،ظلّ يجرح كل ما يهزّ هذه الفكرة”
نهض في نهارًا جديد واجه مرآته وصارح نفسه قائلًا:
اليوم،سأُسلم نفسي للحبّ، وللريح المسافرة وللطيور الحرّة ،لرحلة صدقي مع ذاتي أكثر،لرحلة تبدأ حيث لا يخيفني الخطر،بل حيث يلين قلبي لعجائب الصفح،ومنذ ذلك اليوم لم يعد ذلك الرجل نفسه اصبح يرافق نفسه كرفيق قديم ودود،ويحبّها بضعفها وقوتها وبكل أحوالها،ليعرف أن حبّه لنفسه هو جذر كل حبّ آخر،وأنه لا يمكن أن تهب الحياة أزهارها إلا على تربة تنبت بذورها بحبّه لنفسه الصافية،وحين يُسلم الإنسان نفسه لنفسه لا يكون ذلك استسلامًا للمأساة بل هو انبثاق فجرٍ جديد للحياة استعادة مهيبة للحبّ الضائع وفتح لباب الصفح والغفران الجديد،إن حبّ الذات بمفهومه وبكل ما فيه من معاني ضعف وقوة هو شرارة الضوء التي تضيء الدرب نحو الآخرين ذلك الحبّ الذي يعانق ضعفنا ولا يخجل من عيوبنا ابدًا،بل يُقدسها كجزء لا يتجزأ من كينونتنا،"فما أعمق جرح من أن يُحب المرء غيره وهو غريب عن ذاته،وما أصدق سلام من أن يجد الإنسان في ذاته الملاذ والوفاء"
يقول غازي القصيبي:
“في النهاية لا يبقى معك سوى نفسك احرص على أن تكون رفيقًا طيّبًا لها" فهل لنا أن نحبّ الحياة ونُحب الناس،إذا ظلّ حب الذات غائبًا عن القلب؟

