قمري لا يُرى!
لماذا نلجأ إلى التشبيهات الكُونية كالقمر والسماء حين نحبّ بعمق؟هل لأن الحبّ أصله يجعل أرواحنا أكبر من الأرض؟
ثمة أقمار لا تُرى في السماء الواسعة إنما تتشكل في أعماقنا وتدور حول قلوبنا بشكلٍ عميق لا حول الأرض الفسيحة،تولد حين نشعر وتكبر حين نحبّ وتظل فينا حتى حين يغيب العالم بأسره.
كانت تجلس قرب النافذة في تلك العتمة الساحرة التي تسبق الفجر،تُحدق في السماء الخالية من الضوء
لم يكن هناك قمر!
لكنها ابتسمت سرًا..لا لأن الليل بدا أقل بهاءً بل لأنها وحدها تعرف أين قمرها يسكن.
قالت في سرّها كأنها تُلقي اعترافًا حنونًا:
“الناس ترفع أعينها إلى السماء بحثًا عن القمر وأنا أنزل عيني إلى قلبي"
كانت الرياح تمرّ من حولها خفيفة لا تحمل شيئًا لكنها كانت ممتلئة به بداخلها،بوجهه المختلف بصوته حين يناديها من بُعد الحلم بضحكته التي تشبه الفجر حين يتأخر في دجى الليل ثم يأتي.
لم يكن قمراً معلقًا للناس جميعًا!
لم يُخلق ليُضيء أرضًا كاملة بل خُلق لأجلها وحدها
تأملت ذلك جيدًا وهمست بشيء لم يعد سرًا:
“قمر يتهادى في أرجاء قلبي لا ذاك الذي يدور في سماء واسعة قمري لا يحبّه سواي"
كانت تراه كما لا يراه غيرها حين يكتمل لا يلمع بل يسكن وحين ينقص،لا يخبو بل يتلهف.
كم مرة حاولت أن تفسر تعلقها المجنون به؟
لم يكن حبًا عابرًا ولا انبهارًا مؤقتًا كما تظن كان شيئًا يشبه الدين إيمانًا داخليًا لا يحتاج إلى برهان خارجي.
قالتها بثقة امرأة عرفت يقينها أين:
“القمر تُكمله الشمس وتُنقصه أما قمري فأنا من أُكمله"
بنبرة شديدة تُفسر تملكها..اما قمري فأُكمله أنا وحدي!
لم تكن تريده مثاليًا ومبهرًا بل حقيقياً كافيًا،لم تُرد قمرًا قابًلا للعرض ومفصلًا بل رفيقًا للغيم والضوء معًا حتى حين يغيب كانت تعلم يقينًا أنه لا يغيب عن المكان الذي لا فلك له وهو منزل قلبها الدفين أغمضت عينيها في هدوءٍ عميق لم يسبق من قبل وابتسمت كان لا يزال هناك وجوده ليس فوق رأسها بل تحت أضلاعها يتوسد ويعيش.


كأن النص لا يُقرأ بل يُتنفس…
هذا ليس حديثًا عن القمر، بل عن ذواتنا حين يمسّها الحب حتى تغدو أكبر من مدارها الأرضي..
نحن لا نُشبه الأرض حين نحب، بل نُشبه مجرّات صغيرة تدور في صمت داخلنا، نصنع فيها أقمارنا ونرعاها ككائنات خُلقت من الإحساس وحده!!
أجمل ما في هذا النص أنه لا يُحاول شرح الحب بل يعيشه..
حين قلتِ: “الناس ترفع أعينها إلى السماء بحثًا عن القمر وأنا أنزل عيني إلى قلبي” شعرتُ كأنّك تُعلّمينا أن ما نبحث عنه خارجنا، ربما كان فينا منذ البدء!
ذلك القمر الذي لا يكتمل بالضوء، بل بالمعنى، لا يدور في السماء بل في قلب لا يسع أحدًا غيره..
ربما لهذا نُشبّه الحُب بالقمر، لا لأنه بعيد أو جميل فقط،
بل لأنه حاضرٌ رغم الغياب، مُضيءٌ وإن خَفَت،
يشبهنا حين نحبّ… صامتين، لكن ممتلئين.
عبير~
ما أجمل ما تكتبيه 🥺🤍